محمد بن جرير الطبري

93

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

إن هو صبر . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله : وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ قال : إن داود قال : يا رب قد أعطيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب من الذكر ما لوددت أنك أعطيتني مثله ، قال الله : إني ابتليتهم بما لم‌أبتلك به ، فإن شئت ابتليتك بمثل ما ابتليتهم به ، وأعطيتك كما أعطيتهم ، قال : نعم ، قال له : فاعمل حتى أرى بلاءك ؛ فكان ما شاء الله أن يكون ، وطال ذلك عليه ، فكاد أن ينساه ؛ فبينا هو في محرابه ، إذ وقعت عليه حمامة من ذهب فأراد أن يأخذها ، فطار إلى كوة المحراب ، فذهب ليأخذها ، فطارت ، فاطلع من الكوة ، فرأى امرأة تغتسل ، فنزل نبي الله صلى الله عليه وسلم من المحراب ، فأرسل إليها فجاءته ، فسألها عن زوجها وعن شأنها ، فأخبرته أن زوجها غائب ، فكتب إلى أمير تلك السرية أن يؤمره على السرايا ليهلك زوجها ، ففعل ، فكان يصاب أصحابه وينجو ، وربما نصروا ، وإن الله عز وجل لما رأى الذي وقع فيه داود ، أراد أن يستنقذه ؛ فبينما داود ذات يوم في محرابه ، إذ تسور عليه الخصمان من قبل وجهه ؛ فلما رآهما وهو يقرأ فزع وسكت ، وقال : لقد استضعفت في ملكي حتى إن الناس يستورون علي محرابي ، قالا له : لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ ولم يكن لنا بد من أن نأتيك ، فاسمع منا ؛ قال أحدهما : إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً أنثى وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها يريد أن يتمم بها مئة ، ويتركني ليس لي شيء وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ قال : إن دعوت ودعا كان أكثر ، وإن بطشت وبطش كان أشد مني ، فذلك قوله : وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ قال له داود : أنت كنت أحوج إلى نعجتك منه لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ إلى قوله : وَقَلِيلٌ ما هُمْ ونسي نفسه صلى الله عليه وسلم ، فنظر الملكان أحدهما إلى الآخر حين قال ذلك ، فتبسم أحدهما إلى الآخر ، فرآه داود وظن أنما فتن فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ أربعين ليلة ، حتى نبتت الخضرة من دموع عينيه ، ثم شدد الله له ملكه . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسياط ، عن السدي ، في قوله : وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ قال : كان داود قد قسم الدهر ثلاثة أيام : يوم يقضي فيه بين الناس ، ويوم يخلو فيه لعبادة ربه ، ويوم يخلو فيه لنسائه ؛ وكان له تسع وتسعون امرأة ، وكان فيما يقرأ من الكتب أنه كان يجد فيه فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب ؛ فلما وجد ذلك فيما يقرأ من الكتب قال : يا رب إن الخير كله قد ذهب به آبائي الذين كانوا قبلي ، فأعطني مثل ما أعطيتهم ، وافعل بي مثل ما فعلت بهم ، قال : فأوحى الله إليه : إن آباءك ابتلوا ببلايا لم تبتل بها ؛ ابتلي إبراهيم بذبح ابنه ، وابتلي إسحاق بذهاب بصره ، وابتلي يعقوب بحزنه على يوسف ، وإنك لم تبتل من ذلك بشيء ، قال : يا رب ابتلني بمثل ما ابتليتهم به ، وأعطني مثل ما أعطيتهم ؛ قال : فأوحي إليه : إنك مبتلى فاحترس ؛ قال : فمكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث ، إذ جاءه الشيطان قد تمثل في صورة حمامة من ذهب ، حتى وقع عند رجليه وهو قائم يصلي ، فمد يده ليأخذه ، فتنحى فتبعه ، فتباعد حتى وقع في كوة ، فذهب ليأخذه ، فطار من الكوة ، فنظر أين يقع ، فيبعث في أثره . قال : فأبصر امرأة تغتسل على سطح لها ، فرأى امرأة من أجمل الناس خلقا ، فحانت منها التفاتة فأبصرته ، فألقت شعرها فاستترت به ، قال : فزاده ذلك فيها رغبة ، قال : فسأل عنها ، فأخبر أن لها زوجا ، وأن زوجها غائب بمسلحة كذا وكذا ؛ قال : فبعث إلى صاحب المسلحة أن يبعث أهريا إلى عدو كذا وكذا ، قال : فبعثه ، ففتح له . قال : وكتب إليه بذلك ، قال : فكتب إليه أيضا : أن ابعثه إلى عدو كذا